علي الجارم / مصطفى أمين

8

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

الخيفانة في الأصل الجرادة ، ويريد بها هنا الفرس الخفيفة ، وهذا لا بأس به وإن كان تشبيه الفرس بالجرادة لا يخلو من ضعف ، أما وصف هذه الفرس بأن شعر ناصيتها طويل كسعف النخل يغطّى وجهها ، فغير مقبول ؛ لأن المعروف عند العرب أن شعر الناصية إذا غطّى العينين لم تكن الفرس كريمة ولم تكن خفيفة . ومن التعقيد المعنوي قول أبى تمّام « 1 » : جذبت نداه غدوة السّبت جذبة * فخرّ صريعا بين أيدي القصائد « 2 » فإنه ما سكت حتى جعل كرم ممدوحه يخرّ صريعا وهذا من أقبح الكلام . * * * أما البلاغة فهي تأدية المعنى الجليل واضحا بعبارة صحيحة فصيحة ، لها في النفس أثر خلاب ، مع ملاءمة كلّ كلام للموطن الذي يقال فيه ، والأشخاص الذين يخاطبون . فليست البلاغة قبل كل شئ إلّا فنّا من الفنون يعتمد على صفاء الاستعداد الفطري ودقة إدراك الجمال ، وتبين الفروق الخفية بين صنوف الأساليب ، وللمرانة يد لا تجحد في تكوين الذوق الفنّى ، وتنشيط المواهب الفاترة ، ولا بد للطالب إلى جانب ذلك من قراءة طرائف الأدب ، والتّملؤ من نميره الفياض ، ونقد الآثار الأدبية والموازنة بينها ، وأن يكون له من الثقة بنفسه ما يدفعه إلى الحكم بحسن ما يراه حسنا وبقبح ما يعدّه قبيحا . وليس هناك من فرق بين البليغ والرّسام إلا أنّ هذا يتناول المسموع من الكلام ، وذلك يشاكل بين المرئى من الألوان والأشكال ، أما في غير ذلك فهما سواء ، فالرّسام إذا همّ برسم صورة فكّر في الألوان الملائمة لها ، ثم في

--> ( 1 ) أبو تمام : هو حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور . كان واحد عصره في الغوص وراء المعاني وفصاحة الشعر وكثرة المحفوظ ، وتوفى بالموصل سنة 231 ه . ( 2 ) الندى : الجود . وخر صريعا : سقط على الأرض .